Get Mystery Box with random crypto!

(قَالَ مَا مَكَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیۡرࣱ فَأَعِینُونِی بِقُوَّ | إنه القرآن ( القناة الرسمية )


(قَالَ مَا مَكَّنِّی فِیهِ رَبِّی خَیۡرࣱ فَأَعِینُونِی بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَیۡنَكُمۡ وَبَیۡنَهُمۡ رَدۡمًا)
هذا قول ذي القرنين للقوم لما عرضوا عليه أجرا جزاء بناء السد، ذو القرنين من أول قصته يكشف عن نموذج إنساني باهر في حال التمكين، نموذج رغم كل سلطانه وقوته ونجاحه في اتخاذ الأسباب لم يعجب لحظة بنفسه ولا طغى بما وصل إليه، بل خضع لحكم الله وعمل بأوامره في معاملته لمن غلبهم وفتح بلادهم، وحتى في الوقت الذي يُحتاج إليه ويُطلب لمهمة عظيمة كبناء السد بين الناس وبين يأجوج ومأجوج، وحتى وهو يبذل جهدا خارقا للعادة يكشف عن علم وقوة وسلطان، حتى في هذه الحالة لا تتسرب ذرة عجب واحدة إلى نفسه ولا تظهر في أي كلمة من كلماته بل يقول قولا يكشف عن عقيدة صلبة ويقين مطلق ومعرفة متبصرة بربه القوي ونفسه الضعيف (قال ما مكنّي فيه ربي خير)، نعم (ما مكني فيه ربي) وليس ما تمكنت منه واستطعته بجهدي وبذلي ولو قال لما راجعه أحد ولا كذبه، ولكنه صدق المؤمن مع ربه ومع نفسه ومع الناس، الصدق الذي يجعله الأمور على ما هي عليه حقا وليس كما يتوهمها أو يتمنى أن تكون عليه،

إن قول ذي القرنين (ما مكنّي فيه ربي خير) موافق تماما لقول الرب في افتتاح قصته (إنَّا مكنَّا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا)، الرب مكَّن له والرب آتاه من كل شيء سببا، وذو القرنين عارف بذلك معترف به قولا وعملا

سأتوقف هنا قليلا، تماما عند اللحظة التي يرى فيها المؤمن نفسه والناس والعالم على صورة الحقيقة التي يقرها الرب عز وجل في وحيه وعلى لسان رسله، هذه اللحظة التي يرى فيها الحق حقا والباطل باطلاً فيتبع هذا ويجتنب ذلك، هذه اللحظة انتبهت لها أول مرة حينما كنت أقرأ أول سورة سبأ: (وَیَرَى ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ ٱلَّذِیۤ أُنزِلَ إِلَیۡكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ ٱلۡحَقَّ وَیَهۡدِیۤ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ)
،فتذكرت أول سورة إبراهيم: (الۤرۚ كِتَـٰبٌ أَنزَلۡنَـٰهُ إِلَیۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طِ ٱلۡعَزِیزِ ٱلۡحَمِیدِ) فكأن الذين أوتوا العلم يرون رأي علم ويقين الحق المتمثل في هذا الكتاب وهدايته للناس إلى صراط العزيز الحميد، فعلمهم مطابق للحق الذي أنزله الرب ومبنيٌّ عليه

نعود إلى قصة ذي القرنين ونضم قوله (ما مكنّي فيه ربي خير) إلى قول سليمان عليه السلام في سورة النمل:(وَقَالَ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ عُلِّمۡنَا مَنطِقَ ٱلطَّیۡرِ وَأُوتِینَا مِن كُلِّ شَیۡءٍۖ إِنَّ هَـٰذَا لَهُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡمُبِینُ) وقوله:(قَالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمَالࣲ فَمَاۤ ءَاتَىٰنِۦَ ٱللَّهُ خَیۡرࣱ مِّمَّاۤ ءَاتَىٰكُمۚ بَلۡ أَنتُم بِهَدِیَّتِكُمۡ تَفۡرَحُونَ) وقوله: (فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَـٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّی لِیَبۡلُوَنِیۤ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ)

ثم نقارن أقوالهما بقول قارون في ختام سورة القصص: (﴿قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِیۤۚ) وقول الإنسان عموما في سورة الزمر: (فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ ضُرࣱّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَـٰهُ نِعۡمَةࣰ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِیَ فِتۡنَةࣱ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ) وقول صاحب الجنتين في سورة الكهف: (وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرࣱ فَقَالَ لِصَـٰحِبِهِۦ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالࣰا وَأَعَزُّ نَفَرࣰا)

ليتبين لنا حينئذ نموذجان من البشر تتناقض طريقة تعاملهما مع نعم الله وفضله عليهما، أما النموذج الأول فهو نموذج المؤمن الذي يرى الرب المُنعِم قبل أن يرى النعمة ويعلم علم اليقين أنه لولا فضل ربه ما حاز علما ولا مالا ولا سلطانا وإنما كل ما يملكه هو تمكين من الرب وإيتاء وتفضل وإنعام فيؤمن ويخضع لربه وينقاد لاوامره، وأما النموذج الثاني فهو نموذج الكافر الذي تشغله النعمة عن المُنعِم فيغتر بها ويتوهم في نفسه استحقاقا لها فيكفر ويطغى ويتجبر

وبعد،
فإنه على مدى التاريخ وإلى نهاية العالم سيظل هذان النموذجان حاضرين يتصارعان، لكن اللافت في زماننا المعاصر هو ذلك الحرص على تصدير النموذج الثاني كنموذج يجب الاقتداء به مع التأصيل لسلوكه المنحرف عبر نظريات التنمية البشرية ومفاهيم الثقة بالنفس وتحقيق الذات التي تعمل آلة الإعلام الحديث جاهدة على دسها خُفية وغرسها في وجدان وأفكار وتصورات الجمهور عبر كل شيء من كتب وروايات ومقاطع فيديو وبرامج وحتى إعلانات، إن أكبر كذبة في حياة الإنسان اليوم هي كذبة الاستحقاق، ذلك الوهم الذي يخوض به الحياة فلا يُشقي غيره بأنانيته وانتفاخ ذاته فقط بل ويشقى هو أيضا لأن كلما امتلأ بحب ذاته وذكر نفسه فُرِّغ من حب ربه وأعرض عن ذكره، ذلك الوهم الذي لا يُجليه عن القلوب والبصائر إلا شعور الافتقار إلى رب العالمين وتعلم الحق المتنزل في كتابه المجيد والنظر عبر بصائره وتتبع هداياته في كل مسالك الحياة